لن نستسلم للبغض والحقد والإرهاب - الأب رفيق جريش

العالم رجع مرة أخرى فوق صفيح ساخن، فأضيفت بجانب أخبار كورونا اليومية أيضاً أخبار الإعتداءات الإرهابية في فرنسا وأوروبا بشكل يومي وآخرها وأنا أسطر هذه السطور حادث فيينا في النمسا الذي أخذ شكلاً جديداً، إذ أن الأحداث الأخرى في فرنسا وبلجيكا هي أحداث تبدو فردية، أما إعتداء فيينا يبدو أكثر تنظيماً وعدداً من قبل الإرهابيين.

 

في الآن ذاته ازدادت من جهة وتيرة الإسلاموفوبيا، بل تتزايد، وأصبح سكان تلك الدول يخافون ويهابون كل ما هو مسلم، مع خلط بين الإسلام كدين وبين الإسلاميين المتطرفين والإرهابيين. ومن ناحية أخرى، نشطت الخلايا الإرهابية والعنيفة والراديكالية النائمة في تلك الدول، وجاء تحريض الرئيس التركي أوردوغان وخطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول الإسلام ليسكب مزيداً من الحقد والتطرف في النار الآكلة لكل مبادرات المحبة والتسامح والوفاق. لكن هل نستسلم للبغض والحقد والإرهاب؟ كلا..

هذه الأوقات العصيبة هي الأوقات التي يجب أن تقرر فيها الشراكة المسيحية الإسلامية في العالم تبديد غيوم صراع الأديان والحضارات التي تريد قوى الشر إسقاط العالم فيها وإعلاء القيم المشتركة المسامحة والمحبة والعيش المشترك. وبعد التقدم الكبير في الحوار بين المرجعيات الإسلامية والمسيحية، خاصة بعد صدور وثيقة "الأخوة الإنسانية" في أبو ظبي بين قداسة البابا فرنسيس بابا روما والأمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر التي نادت العالم كله لإحترام القيم الإنسانية المشتركة، وقد نالت هذه الوثيقة صدى طيب جداً في العالم بأسره، وتشكلت لجنة دولية خاصة لتعزيز ونشر هذه الوثيقة.

كذلك التعرض البغيض للرموز الدينية وإعادة نشر الرسوم المهينة بحجة حرية الرأي والعلمنة و"قيم الجمهورية" غير مقبول، بل هو استفزاز لمشاعر الناس. وكما يقول القديس أوغسطينوس: "إن حريتي تقف عندما تبدأ حرية الآخرين". وهل قيم الجمهورية الفرنسية هي الإهانة والتطاول على حرية الآخرين؟ في بلاد الغرب، إذا أزعج جار جيرانه بارتفاع صوت الموسيقى، يأتوا إليه بالشرطة لأنه أقلقهم وأعتدى على حريتهم، فما بال من ينشر ما يسيء للآخر، خاصة في مدرسة بها أطفال من كل الأديان؟ هذا ليس معناه عدم استنكار إقدام عناصر إرهابية إسلامية متطرفة على قطع رأس معلم أمام مدرسته، وذبح ثلاثة مصلين داخل كنيسة في مدينة نيس وقتل كاهن عربي – 52 سنة ومتزوج وله ثلاث أبناء – في بوردو في فرنسا فضلاً عن الحادث الجديد في النمسا.

من ناحية أخرى، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي ضرورة التفرقة الكاملة بين الدين الإسلامي وما يدعو إليه من نشر السلام والتسامح ونبذ العنف وبين الأعمال الإرهابية، التي يرتكبها بعض مدعي الانتماء للإسلام، وهو منهم برئ، وهي أعمال مدانة فى جميع أشكالها ولا يجوز لمرتكبيها الاستناد إلى أى من الأديان السماوية فى القيام بها. فهناك ضرورة للتركيز على نشر قيم التعايش بين المنتمين للأديان المختلفة عبر الحوار والفهم والاحترام المتبادل وعدم المساس بالرموز الدينية. ومصر ماضية فى الاضطلاع بدورها في هذا الإطار، بما يحول دون نجاح الجماعات الإرهابية والدول الداعمة لها فى تحقيق أهدافها، وفى تشويه صورة الإسلام والإتجار به لتأجيج المشاعر. فهذه الأعمال الوحشية ليست لها أى مبرر إنساني أو ديني، بل هي إساءة جسيمة لله سبحانه وتعالى.

 

فيديوهات مختارة