مريم العذراء والروح القدس وإنكار الذات - الأب رفيق جريش

الملاك في البشارة يعلن لمريم العذراء: "الروح القدس يحل عليك وقدرة العلي تظللك" (لو1: 35). ونحن نحتفل بعيد "إصعاد" مريم بالنفس والجسد، نتأمل في عمل الروح القدس في مريم وكل الذين يعملون الصالحات وبذل الذات.

 

منبع الأعمال الصالحة هو الله والروح القدس: "الكنز الوحيد للصلاح"، "لماذا تدعوني صالحاً، ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله" (مت19: 17). الروح القدس ظلل مريم وقاد حياتها والعمل الصالح وإنكار الذات هو لتمجيد الله وليس لتمجيد الذات، كما يقول الرب: "لكي يروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السموات" (مت5: 16). ومريم العذراء عملها كبير. كان الصلاح الأكبر، فالروح القدس هو الذي يعطى لبذل الذات والعمل الصالح "مذاقه الحقيقي".

 

والروح القدس يجعل الإنسان "يستنشق" من عمله ومن جهده رائحة الله التى تفوح بالقداسة. إذن فإنكار الذات هو عمل الروح القدس الأساسي داخل النفس. "الروح القدس يشهد لي وأنتم تشهدون أيضاً لي " (راجع يو15: 26-27).الروح القدس هو الذي يشهد "الروح القدس لن يشهد لمجد إنسان". إنكار الذات ليس عمل سلبي أى حرب ضد النفس ولكن عمل إيجابي.

مريم العذراء تحملت من البشارة إلى الصليب إنكار الذات، ولكن العمل الإيجابي الأكبر هو خلاص النفوس. الذي يبذل ذاته وينكر نفسه من أجل الله يدخل في الحال في شركة مع المسيح والصليب وسر"الإخلاء الإلهي". "إن أراد أحد أن يتبعني، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (مت 16: 24). المصبوغ بالألم والدم "المجد" الذي يؤهل إلى الشركة مع المسيح (لمجد الله). "لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (رو 8: 14). المسيح نفسه قيل عنه أنه أنكر ذاته وهذا يسمى الإخلاء، وقيل عنه أنه انقاد بالروح "وكان يقتاد بالروح في البرية" (لو4: 1). هذا الإخلاء والانقياد الطائع العجيب انتهى بالطاعة حتى الموت، موت الصليب. ولكن هل يكون إنكار الذات كأساس العمل الصالح سهلاً بغير التضحية بأثمن وأعز العلاقات البشرية؟ الأب، الأم، الأخ، الأخت، الزوجة، الأولاد "من أحب أباً أو أماً أو أبناً أو بنتاً أكثر مني، فلا يستحقني (مت 10: 37). ومريم العذراء – أخلت ذاتها كإمرأة – كزوجة – كأم من أجل خلاص البشرية وظل الروح القدس يقودها.

 

هل هذا الإخلاء يكون بغير نزاع متواصل عنيف ضد الذات وتعلقاتها العاطفية ومتعلقاتها الأرضية وكرامتها وشهرتها وراحتها وآمالها الوهمية؟ أما بدون الروح القدس وبدون عزائه السهل العجيب الحاضر مع الإنسان في الجهاد الصالح في كل لحظة وكل مكان، فيستحيل على الإنسان أن يتجاوز ذاته التى تربت على العطف الزائف والحنان الزائل والمجد الدينوي وتغذت على الكبرياء وطلب المزيد من الدنيا بلا تعقل وبلا نهاية.

ومريم العذراء تجاوزت ذاتها. ونحن مدعون أن يقودنا الروح حتى نستطيع أن نتجاوز ذواتنا لملاقاة الله والآخر.

فيديوهات مختارة