كرامة المرأة بين الصمت والعلن – الأب رفيق جريش

دخلت للأسف كلمة تحرش في قاموسنا اللغوي اليومي بعد سلسلة من التحرشات التي أصبحت حديث المجتمع الواقعي والإفتراضي على حدٍ سواء والتحرش ليس بجديد على مجتمعنا ولكنه تطور إلى ما هو عليه الآن. ففي الستينات والسبعينات كانت المعاكسات اللفظية يطلقها الشباب على الفتيات على نواصي الشوارع ومداخل السينمات ولم تكن تتعدى كلمات الإطراء والغزل " ياجميل... يا حلو.. يا أرض احفظي ما عليكي..

وإلى أخر" وكانت الفتيات تشعرن بإنهن مرغوبات وإن كن يتمنعن وإلا شعرن انهن دميمات وكان في ذلك الوقت موضة الفساتين والجيبات القصيرة منتشرة ورغم ذلك كان من العيب ان يلمسهن أحد وإذا حصل يأتي الشويش وعلى الكراكون...

أما في الثمانينات وما بعدها تطور الأمر من معاكسات ساذجة إلى تحرشات باللمس في الحدائق والمواصلات وأماكن العمل ولسخرية القدر كان يحصل ذلك في أوج المد الديني التي شاهدته تلك الحقبة وظهور مشايخ الصفوة ومستغلي الفقراء والبسطاء وبروز مظاهر التدين في الملبس والكلام والتصرفات إلى أخر من هذه المظاهر التي قلصت الدين إلى مجرد طقوس خاوية من أي معنى روحي عميق وأي علاقة بين الإنسان وربه.

ونتذكر حالات التحرش الجماعي خاصة في شم النسيم والأعياد مما إستدعى تخصيص دوريات من ظابطات شرطة خاصة ببلغات التحرش فهي ليست مجرد ظاهرة فردية بل جماعية ومنتشرة بالجامعات والشوارع والطرقات وأماكن العمل. فظاهرة التحرش ليس بسبب ملابس الفتيات كما يريد بعض الرجال المتكلمين في الدين المهمومين بالجزء السفلي للرجال والنساء إيهامنا إياه بل من عقول وقلوب بلا ضمير. وخيراً ما فعلت مشيخة الأزهر من التحذير بأن الصمت يهدد المجتمع ويشجع على إنتهاك الأعراض وتصحيح ما يفسده من يتحدثون بأسم الدين بإلقاء اللوم على المرأة ويبرر للمجرم الحقيقي أفعاله.

رغم تعدد التعاريف عن التحرش الجنسي يظل التعريف الأكثر شيوعاً هو " الإعتداء الجنسي على إنسان أخر (رجل وإمرأة وهنا لاأتحدث عن الأطفال لأنه ليس حديثنا) بدون رضى منه مستغلاً العنف والتهديد والسلطة المادية أو المعنوية لإشباع غريزة المعتدي ومثل الحالة التي تمت منذ عدة أشهر لراقصة وبطلة على الجليد في فرنسا حيث استغلها مدربها التي وثقت به واضطرت هيئة الرقص على الجليد للإستقالة.

التحرش وباء متفشي في كل العالم وهناك من يبرر ان في البلاد العربية هناك كبت جنسي ولكن أيضاً في العالم الغربي والأسيوي الذي يتمتع بالحرية الكاملة من حيث المساكنة وفتيات الليل المرخصات والديسكوهات ناهيك عن الافلام البورنو وكثير من ذلك الذي لا أريد أن استرسل فيه فهي أيضاً تشتهر بحالات تحرش بل تصدر من رجال دولة وبرلمانيون ومخرجون ورجال دين وشخصيات عامة لهم وزنهم في المجتمع المحلي والدولي وهنا نشأت حركة ME TOO لتشجيع الفتيات على الإفصاح عن المعتدين عليهن وتسببت هذه الحركة في ضخ كثير من الجرأة وكشف عديد من الممارسات غير الأخلاقية وتقديم المعتدين إلى المحاكم وإدخالهم السجن.

علينا أن نعترف إن في مجتمعنا خطاب عائلي غير متوازن فالخطاب المقدم للفتيات عن الخطاب المقدم للأولاد الذي يعظم الذكورية على حساب كرامة الإناث فينتج لنا فتيات خاضعات وخانعات وخائفات، كما علينا ان نعترف ان هناك خطاب ديني في القرن الـ 21 غير متوازن فالخطاب المقدم للمرأة والخطاب الديني المقدم للرجل ففي حال التعرض لظلم أو عدوان فالمرأة مطالبة بالصبر والإحتساب عند الله وإنتظار الأخرة، بينما الرجل مطالب برد الظلم.

قطعاً هناك دراسات من الهيئات المتخصصة حول هذا الموضوع، لذا أدعو علماء النفس والإجتماع والتربية وغيرهم لوضع الخطوات اللازمة ورفع الوعى العام لمحاربة تلك الظاهرة قبل ان تتفشى أكثر من ذلك.

فالكرامة قيمة إنسانية عليا، هي جوهر نظرة كل دين للإنسان ونظره كل إنسان للإنسان الأخر ومعناها واحد وصريح حيث يتساوي فيه الجميع، رجالاً ونساءً بغض النظر عن دينهم أو ثقافتهم أو موطنهم أو مهنتهم، فتكريم الإنسان بوصفه إنساناً واجب ديني وأخلاقي ووطني.

فيديوهات مختارة