عِظَةُ الأَبِ البَطريركِ الأنبا إبراهيم إسحق في تذكار القدَّيس إسطفانوس أوَّل الشُّهداء

مَحَبَّةُ اللهِ الآب وَنَعَمَةُ الْاِبْنِ الْوَحِيدِ وَعَطِيَّةُ الرَّوْحِ الْقُدْسَ تَكُونُ مَعَ جَمِيعِكُمْ

تحتفل الكنيسة القبطيَّة الكاثوليكيَّة في الخامس عشر من شهر توت المبارك بتذكار "القدَّيس إسطفانوس رئيس الشمَّامسة وأوَّل الشُّهداء". إسطفانوس لفظ يونانيّ يَعني "تَّاج أو إكليل"، والاحتفال بتذكاره يدعونا إلى تذكِّر شهداء الأمس واليوم أيضًا، وهم كثيرون،

كما يدعونا إلى أن نشعر بأنفسنا في شركة معهم وأن نطلب منهم نعمة الحياة والموت حاملين اسم يسوع في قلوبنا وعلى شفاهنا. ينقسم تأمُّلنا إلى ثلاثة نقاط: مَنْ هو القدِّيس إسطفانوس؟ الدياكونيَّة وخدمة الكلمة، المغفرة شهادة واستشهاد.

أوَّلًا: مَنْ هو إسطفانوس؟

إسطفانوس هو أحد الشمامسة السبعة الَّذين اختيروا بواسطة الرسل من أجل خدمة الأرامل الهلينيين والمحافظة على الوحدة داخل الجماعة المسيحيَّة الواحدة في أورشليم: "«لا يَحسُنُ بِنا أَن نَترُكَ كَلِمَةَ اللّه لِنَخدُمَ على الموائِد. فابحَثوا، أَيُّها الإِخوَة، عن سَبعَةِ رِجالٍ مِنكُم لَهم سُمعَةٌ طَيِّبَة، مُمتَلِئينَ مِنَ الرُّوحِ والحِكمَة، فنُقيمَهم على هذا العَمَل، ونُواظِبُ نَحنُ على الصَّلاةِ وخِدمَةِ كلِمَةِ الله». فاستَحسَنَتِ الجَماعةُ كُلُّها هذا الرَّأي، فاختاروا إسطفانوس، وهُو رَجُلٌ مُمتَلِئٌ مِنَ الإِيمانِ والرُّوحِ القُدُس...ثُمَّ أَحضَروهم أَمامَ الرُّسُل، فصَلَّوا ووَضَعوا الأَيدِيَ علَيهِم" (أع6: 2-6).

كان الهدف من اختيار هؤلاء الشمَّامسة هو تفادي الخلافات الداخليَّة "في تِلكَ الأَيَّام كَثُرَ عَددُ التَّلاميذ، فأَخذَ اليَهودُ الهِلِّيِنُّيونَ يَتَذَمَّرونَ على العِبرانيِّين لأَنَّ أَرامِلَهم يُهمَلْنَ في خِدَمةِ تَوزيعِ الأَرزاقِ اليَومِيَّة" (أع6: 1). ومع قراءتنا للنصوص نلاحظ أنّ الشمّاسين إسطفانوس وفيلبس، فإلى جانب خدمة المائدة مارسا خدمة الكلمة والتبشير. وتبرز قيمة هذه الرسالة وقانونيّتها من خلال الخضوع الذي أدّاه الشمامسة للرسل الاثني عشر.

من خلالِ نصوص سفر أعمال الرُّسل للقدِّيس لوقا، يمكننا أن نستخلص أهمّ سمات القدِّيس إسطفانوس. تميَّزَ إسطفانوس بسُمعَتِهِ الطَيِّبَة، وكان رَجُلًا مُمتَلِئًا مِنَ الإِيمانِ والرُّوحِ القُدُس والحِكمَة. كما كان متمثِّلًا بالمسيح، فقد تشبَّه به في الحياةِ وفي الموتِ. وكان متشبعًا بكلمةِ الله، متعمقًا في تفسيرها وشجاعًا في إعلانها في جوٍ من الصَّلاةِ العميقةِ (أع6: 3-5، 8).

ثانيًا: الدياكونيَّة وخدمة الكلمة

دياكونيَّة هي تعريب للكلمة اليونانيَّةDiakoneo وتَعني الخدمة، خدمة بحبٍّ وحريَّة. عكس الكلمة الواردة، في مثل الابن الضال،Doleoالكلمة التي تعني عبودية، فيقول الابن الأكبر لأبيه: "ها إِنِّي أَخدُمُكَ مُنذُ سِنينَ طِوال" (لو15: 29) وهنا تَعني الخدمة كعبد. لأنَّ الخدمة الحقيقيَّة ليست مجرد تأدية أعمال وإنما هي خدمة بحريَّة ومحبَّة.

وتستخدم أيضًّا كلمة، "دياكون". في طقس السيامات الكهنوتيَّة لنعبِّر عن أوَّل درجة من درجات الكهنوت المُقدَّس (الشمَّاس الإنجيليّ). وفي الصلاة من أجل المرتسم، يقول الأسقف: "املأه من الروح القدس والمحبَّة والحكمة والقوَّة كما ملأت إسطفانوس أوَّل الشماسة وأوَّل الشُّهداء المتشبه بآلام مسيحك، زيّنه بنعمتك، أقمه خادمًا لمذبحك المُقدَّس، لكي إذا ما خدم كما يرضيك في الشمَّاسيَّة الَّتي أؤتمن عليها بغير ميل وبغير خطيئة، يستحق درجة مرتفعة بالأكثر". إنَّ القديس إسطفانوس يعلِّمنا إعلان المسيح عبر أعمال أخوّة ومحبة إنجيليَّة.

دياكونيَّة الكلمة والبشارة

 نقرأ في الفصل السابع من سفر أعمال الرسل خطبة طويلة للقديس إسطفانوس، هي نوع من دفاع عن النفس أمام المجلس الذي حاكمه ووجه له اتهامات بالتجديف على موسى والله والهيكل. فما كان من إسطفانوس إلا أن قرأ العهد القديم على ضوء العهد الجديد وخاصَّة على ضوء موت وقيامة الرب يسوع.

نجح خادم الإنجيل الشاب في أن يعرِّف يسوع بالكلمات، وفي المقام الأول بحياته. فتحقق وعد يسوع لتلاميذه: "فلا يَهِمَّكم حينَ يُسلِمونَكم كَيفَ تَتكلَّمون أَو ماذا تقولون، فسَيُلْقَى إِليكُم في تلكَ السَّاعِة ما تَتكلَّمونَ بِه. فلَستُم أَنتُمُ المُتَكَلِّمين، بل رُوحُ أَبيكم يَتكَلَّمُ بِلِسانِكم". (متى 10، 19-20).

إنَّ بشارة إسطفانوس هي عمل الروح القدس الذي يجعله يستدعي نصوص وقراءات من العهد القديم وخبرات الآباء والأنبياء ليبشّر بالمسيح للجماعة الكنسيَّة ويرد في ذات الوقت على معارضيه.

نحنُ أيضًا في حاجة إلى أن نحدق إلى يسوع "مُبدِئِ إِيمانِنا ومُتَمِّمِه" (عب12: 2) كي نكون قادرين على الرد على كلِّ مَن يطلب منا دليل ما نحن عليه من الرجاء (1بط3: 15) وذلك عبر التحديات والمحن التي علينا مواجهتها يوميًّا.

ثالثًا: المغفرة شهادة واستشهاد

الكلام عن الموت والاستشهاد كثير، أمَّا هنا فأريد التركيز على المغفرة كنوع من الاستشهاد. قال الرب يسوع وهو مسمّر على الصليب: "يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون" (لو 23: 34)؛ وبطريقة مماثلة "جَثا إسطفانوس وصاحَ بِأَعْلى صَوتِه: «يا ربّ، لا تَحسُبْ علَيهم هذهِ الخَطيئَة»" (أع 7: 60). إسطفانوس هو إذًا شهيد، أي شاهد، لأنه فعل مثلما صنع يسوع؛ إنه في الواقع شاهد حقيقي له، لأنه يتصرّف مثله: يصلّي، ويحبّ، ويعطي، ولكن قبل كلّ شيء يغفر، لأن المغفرة هي التعبير الأسمى للعطاء.

ماذا تنفعنا المغفرة؟ أهي مجرّد عمل صالح أم لها نتائج؟ الإجابة نجدها بالتحديد في شهادة إسطفانوس. فمن بين الأشخاص الذين التمسَ لهم إسطفانوس المغفرةَ، كان هناك شاب اسمه شاول وكان يضطهد الكنيسة ويحاول أن يقضي عليها (أع 9: 1). وقد أصبح شاوول بعد فترة وجيزة، بولس القدِّيس العظيم ورسول الأمم. لقد نال مغفرة إسطفانوس، ويمكننا القول بأن بولس وُلِدَ من نعمة الله ومن مغفرة إسطفانوس.

ففي استشهاد إسطفانوس هزمت المحبَّة العنف وهزمت الحياة الموت، ففي لحظة الشهادة الأسمى تضرع القديس إسطفانوس إلى السماء ومنح مضطهديه مغفرته (أع7: 60)

وفي مدرسة القديس إسطفانوس الذي تَشَبه بمعلمه في الحياة وفي الموت، إن أردنا التقدّم بإيماننا، علينا أولًا أن ننال مغفرة الله، المستعدّ أن يغفر كلّ شيء وعلى الدوام، والذي، حين يغفر، يشفي القلب ويحيي المحبّة من جديد. فلا يجب أن نكلّ أبدًا من طلب الغفران الإلهي.

ولكن أن نغفر للأخرين ليس بالأمر الهيِّن، إنه دومًا أمرٌ صعبٌ للغاية. كيف يمكننا أن نتمثّل بيسوع؟ من أين نبدأ كي نغفر الإساءات الصغيرة أو الكبيرة التي نتلقّاها كلّ يوم؟ قبل كلّ شيء، بالصلاة، كما فعل إسطفانوس. بالصَّلاة يمكننا مواجهة الشعور وبالاستياء الذي نشعر به، فنسلّم الشخص الذي أساء إلينا إلى رحمة الله: "يا رب أني أطلب منك من أجله أو من أجلها". ونكتشف من ثمَّ بأن الصراع الداخلي هذا، بهدف الغفران، يطهّر القلب من الشّر، وأن الصلاة والمحبّة يحرّرانا من سلاسل الحقد الداخلية.

لدينا الفرصة كلّ يوم كي نتمرّن على المغفرة، وكي نعيش هذا الاختبار السامي للغاية والذي يقرّب الإنسانَ من الله. وعلى مثال أبينا السماوي، نصبح نحن أيضًا بدورنا رحماء، لأننا نغلب الشر بالخير عبر المغفرة، ونحوّل الحقد إلى محبّة وهكذا نجعل العالم أكثر إنسانيَّة.

طلب إسطفانوس من الرَّبِّ يسوع أن يقبل روحه، لأنَّ المسيح القائم من الموت هو الوسيط الوحيد بين الله والبشر، ليس فقط في لحظة مماتنا لكن في كلّ لحظة من لحظات حياتنا. وبدونه لا نستطيع أن نفعل شيئًا. إنّ يسوع هو مصدر المحبّة التي تفتحنا على الشّركة مع الإخوة وتزيل كلّ الصّراعات والمشاعر السيّئة التي تضرّ بنا كثيرًا.

فلنوكل نحن أيضاً أرواحنا إلى يدي الرَّبّ يسوع الذي يصالحنا مع الآب ومع بعضنا البعض كي تكون حياتُنا حياةً طيّبة بحسب الإنجيل، على مثال ربِّنا يسوع.

نسأل نعمة غفران خطايانا وأثامنا، ونصلّي طالبين القوَّة والنعمة لنمنح الغفران على مثال أبينا السماويّ. ختامًا نصلي من أجل كلِّ الَّذين يعانون الاضطهاد بسبب إيمانهم، طالبين لهم الثبات والقوَّة، بشفاعة العذراء مريم والقدَّيس إسطفانوس أوَّل الشهداء. آمين

(المصدر المركز الإعلامي للكنيسة الكاثوليكية)

فيديوهات مختارة