اللاهوت والحوار مع الإنسان مختلف الدين – د. الأنبا يوحنا قلته

الإنسان - أي إنسان - باحث عن الله، وفي بحثه وشوقه إلى الله يبحث عن معنى الحياة وعن معنى مصير، لو استطعنا أن نوجز الشوق الإنسان في كلمات بسيطة، أن نوجز هدف الإنسان في جهاده، واكتشافاته، واختراعاته، لو استطعنا أن نوجز حاجات جوهرية لأي إنسان، لأمكن القول أن كل إنسان في حاجه أمور ثلاثة أو إلى حقائق ثلاث:

الحياة – الحقيقة – الحب - للنقل تعبير أكثر بساطه الكيان أو الوجود الذاتي، الحقيقة، الحب، هذه الحقائق تستوعب الكون كله تستوعب كل شيء في العالم.

أولا: أنا موجود، أنت موجود، هو موجود... إذا نحن نحيا

ثانيا: ما أؤمن به هو الحق، لان عقلي ممتلئ به.. أنا مقتنع به

ثالثا: المحبة، هذه إرادة عميقة في كياني أن أعيش المحبة، وأعطيها وأنالها، فحقيقة الوجود – وجودي - أو حياتي، حقيقة راسخة في أعماق كل إنسان، انه الحنين إلى الحياة هو أخر ما نفكر أن نتخلى عنه، هو أثمن ما نملكه، هو القيم الأساسية لبناء أي مجتمع أو أي فرد، ليس من السهل على أي إنسان ألا يدافع عن "وجوده" حياته بأقصى ما يستطيع، قد نضحي بكل شيء دفاعاً عن الحياة، بالألقاب بالأفراح بالغناء بالسلطة بالمطامع بل وأحياناً نضحي بالشرف أو بالقيم من اجل "الحياة" انه الخير الأوحد، الأقوى، قد نضحي بجزء من جسدنا دفاعا عن حياتنا، حتى عند المنتحرين، أنهم يسعون إلى حياة اكثر راحة... أو يرفضون حياه فرضت عليهم، واحترام حياه كل إنسان - أي إنسان - نقطه البداية في كل تقدم ونجاح.

وحقيقة البحث عن "الحق" يدل كما تقول الفلسفة على أن كل إنسان يولد فيلسوفا، الطفل يحطم لعبته باحثا عن سرها، وما اكتشاف العلماء واختراعاتهم إلا تفكيكا لا الغاز الطبيعية والكون، نسأل الشمس والنجوم، نمتطي القمر والمريخ لنسألها جميعا من أنت؟  كيف أنت؟ لا يريد الإنسان ولا يطيق أن يكون جاهلا بشيء، والبحث عن الحب هو الحنين إلى الطبيعة البشرية، هو البعد الإنساني والإلهي في كل إنسان "لا يحسن أن يكون الإنسان وحده" (تك 2: 18) حقيقة صارخة في كل أيامنا وفي كل أعمارنا، تتوالى وتزداد حاجتنا إلى المحبة من المهد إلى اللحد، أن نحب وان نكون محبوبين قاعدة أساسية لبناء إنسان سليم ومجتمع سليم.

إذا نحن نتوق – كلنا - إلى الحياة، إلى الحق، إلى الحب، ولكن هل نجدها على أتمها في مسيرتنا على الأرض؟ هل بيدنا نمتلك مصيرنا وحاضرنا مائة بالمئة؟ أم يجب أن يعترف كل منا أننا نمتلك جزءاً من الحياة، جزءاً من الحق، جزءاً من المحبة، هل نستطيع أن نمتلكها كلها؟

كله عصر يضيف إلى عصر سبقه ثراء في معنى الحياة، ثراء في معرفه الحق، ثراء في الامتلاء بالحب... وهذا الثراء ينتشر لا يعرف حدوده أو جنسيات، كم من الحقائق العلمية الثابتة أكد بطلانها العلم في عصور لاحق؟ أو قل أكملها وصلها عصر لاحق، أو قل صحح بعضها، وهذه الصعاب من حولنا، الآلام، الأمراض، الجوع، الحروب، الجهل، التعصب، الأنانية، أليست هذه معوقات تعوقنا عن الامتلاء بالأسس الثلاثة: الحياة والحق والمحبة.

من هنا نطرح سؤالنا؟ أليس من كبرياء الإنسان انه يظن قد امتلك الحياة بأكملها أو الحق كله، أو المحبة كلها، أليس هذا غرور وزيف؟؟

من ذلك يتضح أن علم اللاهوت، وهو العلم الذي ينبغي أن يتعلم الإنسان صغره أمام عظمه الله، ضآلته أمام سعة الله، جهله أمام علم الله، جميل أن يكون عندنا "علم اللاهوت" ولكنها فتات قليله نادرة نلتقطها من المائدة الإلهية التي لا نرى فيها إلا هذه الفتات متقاطعة في الكون وفي الطبيعة وفي أجسادنا وأرواحنا...

 

علم اللاهوت، علم البحث عما وراء الطبيعة (اللاهوت العقائدي) أو علم البحث عما في الطبيعة من قيم روحانيه وإنسانيه (اللاهوت الأخلاقي) هذه العلوم ليست إلا نوافذ صغيره نطل منها على فضاء لا حدود له.

فيديوهات مختارة