الإنسان أمام الألم (2) - الدكتور الأنبا يوحنا قلته

الألم... قالوا لنا أحيانا أن الألم تكفيرا عن الخطيئة ومشاركه البريء فيها صوره لوحده الطبيعة البشرية، تتألم القدم وتصرخ الرأس ويئن القلب، فليس في الجسد خصومات وصراعات، بل هو شوكة تهز كيان الإنسان كله مهما صغر حجمها، وتعود تنسحب من الجسد ومن النفس بعد أن تترك به آثار الهزيمة.ألعلك أيها الألم صورة صغيرة لشقاء الجحيم وتعاسة الذين يقعون فيه، أريدك أن تشرح لي أيها الألم لماذا نتألم في الصباح وفي المساء، في الشروق والغروب، أما كان من اللائق أن تمتلك الإنسان في زمن معين، فيصرخ حتى تتركه ويتخلص منك، لماذا تجرح عظمة الإنسان وتذله؟ لعلك تريد أن يتعاون البشر، فهذا عالم يبحث في الخفاء سر الألم، وعالم آخر يحلله كأحد أسباب نهضة الإنسان وتقدمه..

بك وحدك أيها الألم يحيا الإنسان مجدداً روحه باعث النهضة أو حضارة جديدة، ثم لا يلبث الأمر حتى لا تلبس الإنسانية ثوبك حتى لو بكت بالدموع.

أناشدك أيها الألم بحق آلام أمير الألم المسيح أن تترأف بالإنسان، وأن ترفق به، وأن ترسل بلسماً له، لا تقل إن الإنسان يستحق أكثر من هذا، فأقول لك لا يستحق إنسان من البشر مهما أخطأ وارتكب آثاماً، لا يستحق أن تحل فيه وتمزق وجدانه وتعبث بعواطفه، دعه لكي تتحمل آثارك ويدفعها عنه.

أودعك، فقد ابتليت بك ثلاثة أشهر لم أستمتع يوماً فيها بهدوء النفس أو الراحة، وقد قلبت حياتي وغيرت نظامها، تذكرت آلام أبي وأمي وآلام الأصدقاء والأحباب، فإذا بهم جميعاً خاضوا معركة الألم وعبروا فيها، ولست أدري ما هي ثمرتك هذه المرة.

قال عنك القديسون والأولياء والإبطال الشهداء إنك مرحلة تعبر، وصبروا وعبروا الأزمات وذهبت أنت إلى عالم آخر، وقال آخرون إنك تفجر طاقات الإبداع في الإنسان، وقال آخر من المفكرين إنك عصى الله الخالق في تدبير أمور الخليقة، وبعض قال إنك عبرة ودرس.. اذهب عنا أيها الألم باسم أمير الألم! تنح عن البشرية واتركها وشأنها، فلم تخلق لتتعذب وتموت، بل خلقك لتنعم وتحيا.

 

يا الله الخالق القدوس، من كنت أنت الذي توضع الألم على الناس بقواك الصادة، أنت أيضاً القدوس الذي تزرع الرحمة والغفران وتسامح وتمسح دموع الأشقياء.

فيديوهات مختارة