التجسد والتاريخ (3) - الدكتور الأنبا يوحنا قلته

1 - أشعر كأن المسيحي يخجل من عقيدة الثالوث ، ظلال كثيفة تحيط بعقله ووجدانه إذا أثيرت من حوله كلمات الثالوث ، ابن الله ، التجسد ، الفداء .

المناخ الذي ينشأ فيه المسيحي الشرقي ، مناخ ينطق بوحدانية الله وهي عقيدتنا الأساسية كل لحظة ، كل ساعات الليل والنهار ، ويشعر المسيحي في أغلب المواقف بالتساؤل عن تعبير الثالوث هل يتعارض مع الوحدانية ، إنه يؤمن إيمان آبائه وأجداده ، يشعر بأن عقيدة الثالوث تسرى في دمه ، لكنه عاجز عن فهمها وإدراك كنهها ، عاجز عن الخوض فى بسطها ، وفى الدفاع عنها ، تطرق أذنيه كلمات رائعة لا غبار عليها الله واحد  ، يغوص فى أعماقه ، يتوارى حتى عن ذاته ، وكأن عقيدة الثالوث  لا داعي للجهر بها ، إنها بعض من إيمانه ، القابع في أعماقه  ، المتوارث فى نسيج كيانه .

وبين الحين والحين حين يشتد الضغط على مسامعه وعلى وجدانه تنتابه حيرة ما أشدها من حيرة ، فيتساءل بينه وبين نقسه : ترى لماذا أؤمن بالثالوث ؟ لماذا لا أقول الله واحد ولا داعي للخوض في بحر الله العميق ، لماذا هذا التعب العقلي والنفسي ، كل الكنيسة تردد : نؤمن بإله واحد ، كل الإنجيل يعلن مع بولس : الله واحد ، كل العهد الجديد يبارك العهد القديم وشريعته العظمى : أنا هو الرب إلهك لا يكن لك إله غيرى ..

أما عقيدة الثالوث ، فيتساءل المسيحي : ترى هل هي ضرورية ؟ الخطأ هنا ليس خطأ المسيحي البسيط ... وإنما هو إثم كل رجال الدين المسيحي الذين لا يبسطون العقيدة حتى يستوعبها عقل المؤمن البسيط ، فالعقائد الإيمانية ليست جواهر تحفظ في خزينة الطقوس والتراث فحسب ، والعقيدة التي لا تعاش ، تجف وتسقط فى طي النسيان ، وتضيع الجواهر فى حفر دفنها فيها الخوف والخجل والهروب .

لا يدرى المسيحي البسيط أن عقيدة الثالوث هى الشرح الأعظم لعقيدة الوحدانية ، وبدون عقيدة الثالوث تظل الوحدانية عالما مجهولاً غامضا ويظل الله بعيداً ، منفصلاً عن الإنسان ، ويصبح الإيمان بالله إيمانا مبهماً مبتوراً ناقصا فلا يدرى المؤمن من هو هذا الإله ؟؟  يسمع عن صفاته ، يتقرب إلى مجده وسموه وأبديته ، يصلى له ، يصوم له ، لكنه يظل بعيدا عنه ، فقد جهل تماما أي معرفة عن الله الواحد ، عن ذاته الإلهية السرمدية ، عن حياة الله فى ذاته ، عن فكر الله ، عن حب الله ، الله الواحد الأحد ، أعظم عقيدة توصل إليها العقل البشرى ، بقدراته المحدودة  ، قبل المسيح بآلاف السنين ، ومع موسى النبي ، أعلنت رسميا وإلهيا على جبل سيناء : انا هو الرب...

إنها قضية فلسفية مست العقل ، وحيرت وعذبت الفلاسقة والمتصوفين حتى ارتقى إليها العقل الفرعونى والمنطق اليونانى .

انتهى الإنسان من هذه القضية وآمن بالعقيدة ، وعرف الوحدانية قبل المسيح ..

 

وجاء المسيح ليخطو بالعقل خطوة ، وبالدين خطوة ، كشف للإنسان عمن هو هذا الإله الواحد ؟ لم يكن للعقل قدرة للغوص فى أعماق الذات الإلهي فالله لا يعرفه إلا الله ، والله لا يتكلم عنه إلا الله ، والله لم يره أحد ، حتى قال المسيح قوله : من رانى فقد رأى الأب ، أنا والآب واحد ، الآب فيّ وأنا فيه ، كل ما يفعل الأب أنا فاعله ، كما أعطى أن تكون للآب الحياة فى ذاته ، اعطى الابن أن تكون له الحياة فى ذاته  (يوحنا 5 : 26 )  ..من تعليم المسيح ومن وحيه تسلمت الكنيسة وديعة عقيدة الثالوث.

فيديوهات مختارة