التجسد والتاريخ (2) – د. الأنبا يوحنا قلته

جاء إنسان، تجاسر وقال: من رآني فقد رأى الله، أنا والله واحد، الله ليس بعيداً عنك يا إنسان، ملكوت الله في أعماقك، الله في وجدانك، ابحث عنه في الحب لا في الكراهية، في الصفح لا في الانتقام، في الرجاء لا في اليأس، في البناء لا في الهدم، في العطاء لا في الأنانية، في الوحدة مع كل إنسان لا في الانزواء وفى الفردية.

من راني فقد رأى الله.. كيف؟ ولماذا؟

منذ أن نطق بهذه العبارة، وتمزقت كتب التاريخ، كانت كلها تكتب عن "الله" المتعالي، القدوس، المترفع، الجالس فوق السموات والشاروبيم، البعيد كل البعد عن واقع الإنسان وعن آلامه، وأحلامه، كتب التاريخ عن الله، المجهول، الغامض، القوى، المنتقم، الجبار.

وبعد كلمة المسيح من رآني رأى الله، كتب التاريخ عن "الله" الذي قال إنه أخلى ذاته، وصار إنساناً، اختلط الأمر على عقل الإنسان:

هل ينزل الله إلى الأرض؟ لماذا؟

هل يحيا الله حياة البشر؟ لماذا؟

هل يموت الله موت البشر؟ لماذا؟

ومضت كتب التاريخ، تسطر سيرة الذي قال أن من رآه رأى الله، والذي قلب كل مفاهيم الآخرة والدنيا، أزاح الخوف من الله فإذ به يعلن أن الله محبة لا خوف، نور لا ظلمة، عفو لا انتقام، متعة لا ألم، والسماء عنده حب وسلام واتحاد بالله، والجحيم عنده بعد عن الله، وحرمان منه، وعطش دائم لرؤيته، أما الدنيا عنده، فدعوة رائعة، رحلة إلهية، رسالة راقية سامية، لكنه وضع لها مبادئ لم يعرفها القدماء من قبله، أعط ولا تأخذ، كن نورا لا ظلمة فيه، كن نهراً يتدفق بالخير، ولا تكن بركة مقفلة مرتعا للعفن وتخزينا للحشرات والنباتات السامة، هذا هو الذى قال: من رآني رأى الله.

فكرة أضحت حقيقة يؤمن بها الملايين.. يموت من أجلها الملايين..

الله، عاش بيننا، ففي زمن محدد، فى وطن محدد، في أسرة محددة، لكن الله، حطم القيود، كل القيود التي قيدت حرية العقل وحرية الوجدان، وحرية الجسد، أزاح كل السدود التي أقيمت خلال ألاف السنين بين أبناء البشر.

أسقط الجغرافيا، فالكرة الأرضية أسرة واحدة

وأسقط التاريخ، فليس أمة خير من أمة، وليس شعب مختار دون شعب.

أسقط الخوف من قلب كل إنسان فالملك والعبد، والمرأة والرجل، بشر، كلهم أبنا ء الله.

* * * * *

 

من رآنى فقد رأى الله.. جنون أم حقيقة.. تراني، أنا المسيحي، أؤمن بشيء "جنوني" أم "بحقيقة رائعة"؟ قولك حق يا سيدي.. أنا إنسان أشتاق إلى رؤية الله دعني أراه في كلمات وسطور تأمل.

فيديوهات مختارة