زمن الصوم (1) - الصوم باقة ورد روحية للمسيح.. في ذكرى صومه المقدس – د. الأنبا يوحنا قلته

 

طاقة هائلة أودعها الخالق في صميم نسيج الكائنات التي نعرفها فالنبات يصوم والطير والحيوان بل والحشرات لها أوقات تصوم فيها ، أما الإنسان فقد وضع الخالق هذه الطاقة بحسب سلطان إرادته وقوة شخصيته الروحية ، وما هي الحياة الروحية التي نتكلم عنها في تأملاتنا وإرشاداتنا وندواتنا في حياة الرهبنة والكهنوت والأسرة ، الحياة الروحية هي "الاتحاد بالمسيح" فالمسيحية ليست إيماناً بفرائض وشريعة وحلال وحرام ، المسيحية إيمان بشخص أسمه يسوع المسيح جاء منذ ألفي سنة وقال أنا منبثق من ذات الله ، لاهوت من لاهوت ، نور من نور ، وهذا النور اتحد بالطبيعة الإنسانية ، وتأمل معي كيف يتسرب شعاع الشمس من الشمس ويلتحف بالكائنات وبالأشياء فيرسم للشجرة ظلها وللنافذة إطارها ويبقى النور كما هو طاهراً نقياً يطهر كل ما يلمسه أو يلتحف به ، وما أبعد التشبيه المادي هذا عن الواقع الإلهي في سر التجسد ، أخذ طبيعتنا لينقيها ويطهرها وهو كما هو لم ينقص ولم ينتهِ ، هكذا في "حياة روحية" يلتحف نور التجسد الإلهي بكياننا ، ليطهره ويسمو به وهو كشعاع الشمس دائم الوجود في الذات الإلهي لاهوته رفع مستوى ناسوته حتى استطاع المسيح بها أن يصوم الأربعين يوماً وأربعين ليلة .

الصوم هو أيام أو لحظات توهج روحي في أعماق الإنسان ، تصمت الغرائز ، يهدأ نباح الشهوات ، تخمد نار الحقد والحسد والكراهية ، بالصوم يسمو الإنسان إلى أكبر من إنسان ، يغوص في أعماق ذاته ليكتشف عظمة كيانه الإنساني بهذا التوهج الروحي ، تنمو نزعته الروحية تتسع دائرة ضوء ضميره ، ولأن الصوم توأم للصمت ، يصمت الغرائز ويلجم حيوان الشر الكامن بداخلنا وقد ورثناه عن آبائنا وأجدادنا ، وتنفجر بالصوم طاقات الإبداع والرؤى المبهجة ، لذلك ليس بين العلماء واحد لم يقدم اختراعه إلا بعد صوم وصمت ، وكل الفنون والآداب وأوجه الجمال لم تولد إلا بعد صوم وصمت ، وما أعمق وأروع كلمة المسيح لمن جاء يعايره تلاميذ يوحنا المعمدان يصومون وتلاميذك لا يصومون ( متى 9 : 14 ) فإذا بالله الكلمة يقول "سيصومون بعد أن يرفع العريس من بينهم " ( متى 9 : 15 ) بهذه الآية شرح لنا المسيح بالمختصر المفيد أن الصوم ليس طقساً ولا فرضاً يمنع أطعمة أو شراب ويحل أخرى ، هذه أمور نظمتها الكنيسة فيما بعد صعوده فالصوم عند المسيح "سر" كالأسرار السبعة علاماته طعام وشراب أما حقيقته فهي تجرد وزهد وطهارة وأمانة وصدق ، الصوم معايشة مع المسيح لذلك شدد أجدادنا في الشرق وبخاصة في الطقس القبطي على أن يكون الصوم "نباتياً" فالحيوان والطيور ونتائجها لا تحل في زمن الصوم .

في زمن "تيك أواي" وتوصيل الطعام للمنازل ، وتفجر مخترعات للأكلات والحلويات ، قد يجد المرء صعوبة في الصوم أو قد يختلط عليه الأمر فلا يدري ما هو الطعام المفطر أو غير المفطر ، وفي هذه الحيرة وفي مشهد جاذبية الأطعمة الحديثة تضعف إرادة الإنسان ويضيع المعنى الحقيقي للصوم .

الصوم "سر" بينك وبين المسيح فاجعله باقة ورد روحية لمن صام عنا أربعين يوماً وأربعين ليلة .

فيديوهات مختارة