احتفالاً بالسنة الثلاثين في خدمته الاسقفية.. فرح الدعوة في حياة الأنبا كيرلس وليم مطران أسيوط – ناجح سمعـان

 

على مدى ثمانية عشر عاماً أعمل خلالها مراسلاً صحفياً لإيبارشية اسيوط للأقباط الكاثوليك بجريدة حامل الرسالة، لسان حال الكنيسة الكاثوليكية بمصر، أتاح لي عملي الصحافي المشاركة في العديد من الاحتفالات الروحية والمناسبات الدينية بمختلف كنائس الايبارشية الأربعين. وقد لأحظت خلال متابعاتي وقراءاتي أن نيافة الأنبا كيرلس وليم راعى الايبارشية لم يتحدث خلال هذه المناسبات جميعها عن نفسه قط، فيما كانت كافة المناسبات كفيلة ان تتحدث عن جليل اعماله. لا أقصد من وراء كتابة هذا التقرير ان اقوم بعمل تسجيلي للإنجازات الراعوية لسيادة المطران، لأن توثيق حياة واعمال الأنبا كيرلس وليم برأيي لم يحن موعدها بعد، فضلاً عن انى لست اًهلاً لهذا العمل التاريخي. انما ما يدفعني إلى الكتابة اليوم على هامش الاحتفال بالسنة الثلاثين فى حبرية سيادة المطران، هو رغبتي في أن أضع بين يدي القارئ الكريم بعض من كلمات الأنبا كيرلس وليم التي كتبها بخط يده في رسائله الراعوية إلى اخوته الكهنة، والتي تجاوز عددها المائة رسالة وقد قام بجمعها بين دفتي كتاب جناب القمص مرقص يوسف. تحمل الكلمات في تقديري مواطن الفرح الروحي التي يعيشها الأب المطران كيرلس وليم في خدمة ملء الكهنوت، وحياة التكريس تلك التي دعاه الكاهن الأعظم لأن يحياها بسخاء، واليكم بعض من هذه المقتطفات الروحية.

ارتداء الثوب الإكليريكي

انطلاقاً من ترتيلة داود النبي في المزمور 119: 37 "حوّل عيني عن النظر إلى الباطل" كتب الشماس كامل وليم في 1 يونيه 1961 معبراً عن فرحة ارتداء الثوب الإكليريكي "رأيت في بدء المسيرة نحو الهدف السامي ضرورة الاجتهاد في الابتعاد عن أباطيل العالم واغراءاته، فالثوب الاسود يذكرني انى وإن كنت في العالم لكنى لست من العالم، ولا يحق لي ان اسمح لنفسي بكل ما يسمح أهل العالم لأنفسهم حتى وان كان من الامور المشروعة، رأيت ان أوجه قلبي وفكري وكياني نحو الله، لأن البحث عن اقتناء أشياء مادية والجري وراء المال قد يبعدني عن الله، وربما استعبدني، وقاد اختياراتي وحركني كدمية مسلوبة الإرادة دون أن اشعر، فتصبح حساباتي وقراراتي مبنية على مصالح بشرية بدلاً من بنائها على قضية الملكوت".

السيامة الكهنوتية

اختار الأب كامل وليم كلمات المزمور 22: 23 "سأبشر باسمك إخوتي واسبحك في وسط الكنيسة" شعار له. وعن يوم رسامته الكهنوتية في 10 يونيه 1974 كتب يقول "تصورت أن أهم ما ينبغي أن يميز خدمتي الكهنوتية هو التبشير باسم الرب وتعريف المخدومين بصورته الحقيقية، إلى جانب تسبيحه عبر ممارسة الطقوس، التي عشقتها منذ طفولتي بفضل قدوة الآباء والاجداد. كانت كلمات رسول الأمم (أناشدك امام الله والرب يسوع المسيح أن تبشر بكلام الله وتلح في إعلانه بوقته وغير وقته) 2 تيمو 2:1-4، تلاحقني، فحاولت أن أكون أميناً نحوها، بأن أقوم دائماً بالتحضير لما سوف أعلنه في الوعظ والتعليم وذلك عبر قراءات مطولة ومتنوعة، احتراماً للسامعين وأمانة لرسالتي. أما عن التسبيح فأحاول التوفيق بين برنامجي الروحي الشخصي من جهة، وبين ممارسة الخدمات الطقسية كما ينبغي من جهة أخرى، بأن أعيش ما احتفل به بفرح وبكل كياني، فأساعد المؤمنين أن يشاركوني حيوية الاحتفالات، وعلى رأسها ذبيحة القداس: في هدوء وخشوع دون تشتت ولا استعجال، ليس كواجب مفروض بل كرغبة منشودة، للتمتع بأسعد لحظات النهار، واختبار عمق حب الله".

الرتبة القمصية

يروى القمص كامل وليم مفاجأة سارة في حياته الكهنوتية تحت عنوان (ثبت إخوتك) حيث يقول "كانت مفاجأة بالنسبة لي، ان يقطع سلفي العظيم وأبى الروحي مثلث الرحمات الأنبا يوحنا نوير حديثي إلى إخوتي كهنة الايبارشية، اثناء الرياضة السنوية من 4–17 سبتمبر 1987، ليعلن انه ينوى ترقيتي إلى رتبة القمصية مع بعض كهنة الايبارشية الذين كانوا أقدم منى رسامة. لم تكن القمصية في نظري، رتبة شرفية بل مسئولية جديدة، لابد ان تغير في شيئاً أو تلقى على عاتقي عبئاً جديداً، فرجعت إلى تقليدنا القبطي، لأتأمل كيف كان القمص يشارك في مسئولية إدارة عدد من الكنائس، أو في تدبير ورئاسة دير من الأديرة؛ ومن هنا واجب تثبيت إخوتي، وهو ما حاولت أن أمارسه من خلال الخدمة التي كلفتني بها الكنيسة كرئيس للإكليريكية. كنت احاول أن اثبتهم خاصة عندما تشتد الصعاب والمحن لكى نواصل معاً، كأسرة واحدة، قيادة دفة هذه المؤسسة الحيوية إلى بر الأمان".

السيامة الاسقفية

عن رسامته الاسقفية في 3 يونيه 1990 وشعاره للخدمة (من أجلهم أقدس ذاتي) يو 17: 19، كتب الأنبا كيرلس لإخوته الكهنة قائلاً: "لما دعاني الرب عن غير استحقاق في 16/5/1990 إلى ملء الكهنوت، وشرعت القيام برياضتي الروحية، رأيت أن أتأمل بعض مقاطع الإنجيل الرابع، واخترت شعاري في الدعوة إلى القداسة، وأن أعمل جاهداً على تحقيق قول المعلم (كونوا قديسين). إن الدعوة عامة لجميع المؤمنين الذين يدعوهم الرسول القديسين الذين في الكنيسة، فكم بالحري لي أنا المدعو أن أكون قدوة للقطيع، وكيف أكون صادقاً في حث المؤمنين على القداسة، إن لم أسعى أنا أولاً إلى تحقيقها؟ كما إنني عندما أحاول أن أعيش القداسة، فإن ذلك لا يعود على وحدي بالخير بل على الكنيسة جمعاء. برنامج واضح أسعى إلى تحقيقه والالتزام به أينما كنت ومهما كانت الظروف، أن أعيش الإنجيل فهذا هو طريق التقديس، وراء وعلى خطى قدوس الله الذي لا عيب فيه، وعلى مثال من سبقوني من القديسين المعاصرين، إن لم ارغب في العودة إلى تاريخ الكنيسة الحافل بألاف الأمثلة. وفى كل هذا أحاول جاهداً ألا أبحث عن مجد الناس، بل من الله وحده".

المحبة والاكتفاء

في عيد ميلاده الخمسين في 1 اكتوبر 1996 يخاطب الأنبا كيرلس وليم إخوته الكهنة قائلاً: "خمسون سنة مضت وكأنها لحظات، قابلت خلالها الآلاف من البشر من مختلف البلاد والحضارات والفئات وقد تعلمت منهم الكثير، فأردت ان أقف لأفكر فيما تعلمته وأشكر الرب عليه. تعلمت كثيراً وبقدر ما تعلمت أشعر بأني مازالت لا أعرف الكثير وأحاول كل يوم أن أتعلم جديداً لا من الكتب والمجلات فحسب، وإنما من البشر خاصة. تأكدت أنى محبوب وما أشد حاجة الإنسان لأن يعرف أنه محبوب، فدفعني ذلك إلى مزيد من الحب الذي غير نظرتي إلى الآخرين وجعلها نظرة إيجابية، نظرة تقدير واحترام، تأكدت أن الله حاضر في حياتي: في كل لحظات نهاري، في كل شخص التقيه وفى كل عمل أقوم به. قطعت على نفسي عهداً منذ يوم 3 / 6 /1990 أن لا امتلك شيئاً وان يعود كل ما يأتيني شخصياً وكل ما يحق لى إلى الصندوق العام لصالح الخدمة، لأنى سعيد بما أنا عليه سعيد جداً، لا احتاج شيئاً، لا ينقصني شيء، واكتفى بما هي ضروري واساسي لمواصلة الخدمة والعطاء".

الصفح والمصالحة

خلال الاحتفال بعيد ام المحبة الإلهية شفيعة الايبارشية، كتب نيافة الانبا كيرلس وليم عام 2001 قائلاً: ” في العيد السنوي للإيبارشية، عيد كل واحد من ابنائها، دفعتني تأملاتي ان اكتب لكم عن الصفح والمصالحة. كل من اختبر فرح وسعادة صفح الله عنه يستطيع أن يمنح الصفح لأخيه ولكل من سبب له ضرراً وكل من جرح مشاعره، لا سبع مرات فحسب بل سبعين مرة سبع مرات. انها الثورة الجذرية التي جاء بها إنجيلنا: إعلان رحمة الآب تجاهنا نحن الخطأة، لأن صفح الله يذيب قساوة قلوبنا ويفتحها على مصراعيها لقبول فرح الإنجيل، فنستطيع أن ننظر إلى الأمور بعيون جديدة، إن الخمس خبزات والسمكتين، بعد أن كانت دليل الفقر البشرى، اصبحت التقدمة البشرية المتواضعة التي تجلى فيها غنى الله العجيب، وذلك بعد أن تخلى الرسل عن المشروع الخاص بمحاولة حل مشكلة جوع الجموع بجهودهم الذاتية وحدها. هكذا ينبغي أن تصبح مبادراتنا الضعيفة ومحاولاتنا الخاطئة في مواجهة مقتضيات العمل الراعوي والرسولي في كل تغيرات الظروف الاجتماعية ومحاربات الناس، ينبغي أن تصبح – بعد ان ينقيها التواضع – العلامة الأولى والبذرة الصغيرة لحضور الله الذي يعمل دائماً في حياتنا.

سر السعادة

في الذكرى الخامسة عشر لسيامته الاسقفية عام 2005 كشف الأنبا كيرلس وليم عن سر سعادته وفرحه لأخوته فكتب يقول : ” انى سعيد بدعوتي وخدمتي وكهنوتي وتتجدد سعادتي كل صباح جديد تشرق شمسه علىّ، إني سعيد بالرب لأنه يمدني بطاقة هائلة عندما اجثو أمامه في سكون الليل أو قبيل انبثاق نور الفجر، إني سعيد لأنى أنهل كل يوم من ينبوع الحب الذى لا ينضب ابداً كلما احتفلت بسر الإفخارستيا، إني سعيد لأن كتاب الأجبية يرافقني في كل مكان مضت إليه، إني سعيد لأن مسبحتي لا تفارق جيبي، وعندما تدور بين أناملي أشعر بمعونة خاصة من أمي العذراء الساهرة على جميع ابنائها، إني سعيد فى التضحيات التي تتطلبها رسالتي والتي أقدمها عن طيب خاطر، إني سعيد في التعزيات الوافرة التي لا استحقها والتي يغمرني بها الرب على الدوام، إني سعيد فى المحن والضيقات والإهانات التي تلحق بي، وهى أقل بكثير مما استحق ومما أتوقع، لأنها تشركني في كامل سر يسوع المسيح، تشركني في الآمه وتؤهلني للاشتراك في سر انتصاره، إني سعيد فى ضعفي لأنى لن أحمل كل هذا بمفردي، على حد تعبير قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، لأن جوقة القديسين تحملني وحبكم وسماحة صدوركم وإيمانكم ورجاءكم ترافقني".

منهاج حياة

منذ خمس سنوات، وإبان احتفاله باليوبيل الفضي الأسقفي، كتب سيادة المطران إلى معاونيه في الخدمة فقال: "اليوم، وبعد مرور 25 سنة على استلامي وديعة الخدمة الأسقفية، لأبد لي من وقفة، لأسال نفسى إلى أي مدى كنت أميناً في المحافظة عليها، إذ يقترب اليوم، الذى يتحتم علىّ فيه أن أقدم حساب وكالتي، فالأعمار بيد الله، وقوانين كنيستنا تحدد السن، الذى يدعى فيه الأسقف إلى التخلي عن مهامه، وتسليم الأمانة لمن يدعوه الله، من بعده، إلى حملها. كنت على يقين، بأنه ينبغي على أن أبدأ بنفسي، فكيف أقوم بهذه المهام تجاه النفوس التي أؤتمنت عليها، قبل أن اعيشها أنا؟ وكيف أعظ الأخرين وأجد نفسي مرذولاً أمام الله؟ فحاولت أن أقدس ذاتي وأن أسعى لأن أتعلم، كل يوم، ما هو جديد، وأن أدبر حياتي كما ينبغي، لكي أستطيع أن أقدس وأن أعلم وأن أدبر الموكلين إلى خدمتي. وضعت لنفسي برنامجاً واضحاً منبثقاً من عمق تقاليدنا الروحية العريقة، وغنى طقوسنا الكنسية الخالدة، وتقويات الكنيسة الجامعة، وحاولت ان أظل أمينا عليه، أينما ذهبت. لم اترك الظروف والمهام المتشعبة تتحكم في، فأهمل واجباتي الروحية، وأتهاون بها، وهى الطاقة والوقود، الذى يغذى سائر الأنشطة والأعمال، لم اتنازل يوماً واحداً عن لقاء الرب، فى الذبيحة الإلهية، باستثناء الأيام القليلة التالية لعملية القلب المفتوح، ما بين 8–12 يونيه 2009. إنها طاقة رافقتني في عملي وذللت كل الصعاب، وبددت كل الضيقات".

الرحلة والثمار

وعن رحلته ما بين خدمة الكنيسة الجامعة واحتياجات الايبارشية، كتب نيافة الأنبا كيرلس وليم: "لمست في كل خطوة، كنت أخطوها، عناية الرب، التي كانت تظللني، ورحمته التي كانت تشملني، ونعمته التي كانت تسبقني، لتهيئ لي الطريق وتساعدني على اتمام ارادته على أفضل شكل، لقد ذلل أمامي العديد من الصعاب ومشتقات السفر والتنقل، ويسر كل مشوار قمت به بالرغم من قسوة المناخ، ومن هشاشة ظروفي الصحية؛ وفتح قلوب وآذان جميع من التقيتهم، فغمروني بمحبة فياضة لا استحقها وتفهموا ما عرضت عليهم. ولن أتمكن من رفع الشكر الواجب للرب بالقدر الكافي، على صنيعه الذي عظمه معي".

الوصية

في ختام رسائله لأخوته الكهنة التي حان الوقت – برأيي – لأن يقرأها كل أبناء الإيبارشية، بل وكل أبناء الكنيسة الكاثوليكية بمصر، يقول نيافة الأنبا كيرلس وليم: "أشكر الرب أنى ما نصبت أحداً العداء ولن أفعل ذلك، فكيف أقف في حضرته تعالى، وأنا في قلبي شيء تجاه أي إنسان؟ صفحت عن كافة الإساءات، وسوف أفعل ذلك دوماً، حاسباً إياها امتيازاً، ووسيلة للنمو الروحي. غاية ما أتمناه، أن أرى جميع الكهنة قلباً واحداً وروحاً واحداً، يحبون بعضهم البعض، دون استثناء أو اقصاء، يقبلون بعضهم بعضاً على ما هم عليه، يقدرون ما فيهم من ايجابيات، وما أكثرها، ويتغاضون عن سلبياتهم، يحترم كل واحد إخوته ويتحدث عنهم بالخير، يحبون الشعب الموكل إليهم ويخدمونه بغيرة وحماس، يكونون رجال صلاة".

فيديوهات مختارة