"ستّ الدنيا" بعد الإنفجار - ريما السيقلي

"أجمعُ أشلائي وأرفعُ رأسي

من قيدِ الإذلالِ وعتمةِ اليأسِ

نظرتي الدامية تنفضُ الرُكامَ

لِتولدَ الحياةُ من مرارةِ كأسي..."

إنّهم اللبنانيّون... هبّ شبابُ لبنان وعددٌ من البالغين لمساعدة الأشخاص الأكثر تضرّرًا من هول الكارثة.

لم يحملوا أمتعتهم ليقرعوا باب الهجرة، إنّما حملوا معاوِلَهم ومكانِسَهم ورفوشَهم لتنظيف شوارع بيروت المفروشة بالحطام والزجاج. شبابٌ وصبايا يعطون للعالم صورةَ لبنان الحقيقيّة، هم رجاءُ الغد، وتنحني لهم الرؤوس. هم الأمل الذي سيجعل الشمس تشرقُ كلّ يوم، فألف تحيّةٍ لهم. نفضت بيروت غبارَها ونهضت من كارثةٍ ألمّت بها سبع مرّات، وها هي للمرّة الثامنة تقوم بسواعد شابّاتها وشبّانها. بيروت عاصمةُ بلدِ الفِكر، وطن الثقافة، طير الفينيق، مُورِّد الحرف، أرض الإيمان...

"لم نعُدْ نملكُ شيئًا".

"المحبّة هي الجوابُ الوحيد المُمكِن".

طلع ضوء هذا الصباح من دون أن يتمكَّنَ أحدٌ من النوم. إنّ الجميع مصعوقٌ تحت وقع الصدمة.

كان من البديهيّ، يقول الشباب، أن نُسرعَ ونُبادرَ للخروج من المنزل لِمَدِّ يد العون لمن هم بأمسِّ الحاجة إلى المساعدة. تنتظرُنا أعمالٌ كثيرة. عجلةُ التضامن في بيروت إنطلقت للتوّ، على الرغم من دمع العيون ورُعبِ القلوب.

هي حالُ مدينةٍ مفجوعةٍ في أوّل ساعات الفجر، مدينةٌ تنهضُ من جراحها بفضل شعبها. جاؤوا من كلّ حدبٍ وصوب، يساعدون في تضميد الجراح في كلّ شوارع "ستّ الدنيا"، بيروت... جاؤوا للبنان الكرامة، لبنان الأمل، لتقديم المساعدات الأوليّة للعائلات الأكثر تضرُّرًا. لائحةٌ طويلةٌ من أحتياجاتٍ مختلفة، والأولويّة للحالات المُلِحّة والأكثر خطورة. تكفَّلَ كلُّ شخصٍ بإحضار ما تمكّن، بخاصّةٍ من معدّاتٍ للتنظيف ولجَرفِ الردم، لأنّ المشكلة الأكبر كانت المنازل المُهدَّمة.

اليوم جزءٌ كبيرٌ من بيروت مهدَّم، بخاصّةٍ الأحياء الموازية للمرفأ؛ البيوت بلا جدران، داخل الشقق مهدّم، ولا زجاج في بيوت الضواحي. جُرحَ العديدُ من الأشخاص داخل منازلهم، منهم بسبب شظايا الزجاج ومنهم بسبب الإصطدام بالأجسام الطائرة. كما فقد العديدُ العديد حياتَهم. محيط المرفأ صحراء، لم يبقَ سوى مساحةٍ من الأسمنت والغبار. بسبب قوّة الإنفجار إنتشر الغبار وتبعثرت الرمال في كلّ مكان. كلّ بيتٍ يدخله الشباب والشابّات لتقديم المساعدة في التنظيف، يجعل الأشخاص يشعرون ببعض الإرتياح، كأنّ شعاعَ أملٍ إقتحم بدِفْئِهِ ديارَهُم وسط هد͘ا الدمار.

كان لبنان يعيش مرحلةً صعبةً جدًّا، فالصعوباتُ عديدةٌ من وباء الكورونا، إلى الأزمة الماديّة الضخمة، إلى الأزمة الإجتماعيّة المترافقة مع تظاهراتٍ في الساحات، إلى الأزمة السياسيّة إلخ... لم يفهم أحدٌ كيف ولماد͘ا وقع الإنفجاران المتتاليان، وكيف من المُمكِن أن توجدَ كميّةٌ كهد͘ه من نترات الأمّونيوم بالقرب من المدنيّين، بموازاة البيوت، ولم يُعرَفْ حتّى مَن وراء هذا الإنفجار!

نعرف أنّ الدموع لا تفارقُ المآقي...

وصلاتنا هي صلاة استجداءٍ وصرخةٌ مليئةٌ بالإيمان لشعبٍ يؤمنُ ويعطي ويبدأ من جديد... لشعبٍ يحتضنُ حبًّا عملاقًا للعذراء مريم... ويتنفس حبَّ الحياة!!!

شعبٌ لا يحتضرُ في دموعه بل يحملُ وطنه "الشهيد-الحيّ" على أكتافه ويذهبُ قُدُمًا...

لبنان هو لله منذ البداية... والله يواصل حِراسَتَه! وضع البحرَ لحماية بيروت الجميلة،

فهل سيندم يومًا هذا الشرّ ويتراجع إزاء دموع أمّهاتٍ وأخواتٍ وبنات، إزاء قلوب آباءٍ وإخوةٍ وأبناءٍ مسحوقة؟

صرخ الطفل كما كلّ طفل: "لا أريدُ أن أموت"، لكنّ الشرّ لا يستمع لصوتهم الهزيل بل السماء تفعل، فالراعي يحملهم على راحة يده. كم نحن قريبون من قلب الله!

بلد الأرز، إضطرابٌ وألمٌ يعصفان به، هو الذي، إن تُركَ لشأنه، عرف كما في السابق العيش بتناسقٍ بين أبنائه، هوبلدُ الرسالة، بلدٌ وُجدَ ليكون مثالاً للعيش المشترك.

وهذا ما يريده اللبنانيّون الذين يقدرون ويعرفون كيف يواجهون الشرَّ بالخير.

وتبقى المحبّةُ هي الجواب المُمكن الوحيد، المحبّة التي تعرف كيف تعطي ذاتها وتبدأ من كلّ فردٍ منّا دون أن تنتظر مقابلاً، المحبّة التي تُعدي إلى أن تصبحَ متبادلة...

ومنّي لكِ بيروت هذه الكلمات بلغتي اللبنانيّة:

بيروت... لَمِلْمي جروحاتِك...

وتيابِك اللي مْخَزّقا،

بيروت... من عتمة ليلاتِكْ

كبّي عنّك ويلاتِك بِمَحْرَقَه...

واصْرِخي بوِجُّهم... ما تِبكوا... من هَوْنْ ما في فَلّي،

قوموا امْشوا معي... صار الوقت... أنا رايحة صَلّي...

فيديوهات مختارة