تأملات دستور المسيحية (3) - الدكتور الأنبا يوحنا قلته

 

للشعوب دساتيرها،والدستور هو وثيقة رسمية تلزم الشعب باحترامها وعدم مخالفتها، ودساتير العالم ليست متشابهة، بعضها يلتحف بالدين ويتخذ منه الشرائع والفروض، والبعض الآخر لا ذكر للدين فيه وبخاصة عند الأمم التي اعتنقت العلمانية مذهباً وقانوناً، وإن لم أخطئ انجلترا البلد الوحيد الذي ليس لها دستور، ملوكها يملكون ولا يحكمون، وللدستور قدسية خاصة عند الأمم المتقدمة أما عند بعض الأمم التي تغلب عليها الأمية فكثيراً ما يتعدى الناس على الدستور ولا يطيعون قوانينه، ويعتبر قانون "حمورابي" أقدم نص دستوري جاء عند الأشوريين في العراق، ثم أوحى الله لموسى النبي بالوصايا العشر واعتدها شعب بني إسرائيل دستوره المقدس، عند الفراعنة كان للحكماء سلطان على الناس أما مصدر تطبيقها وإصدار القوانين فهو حق يملكه الفرعون وحده، وفي الحضارة الرومانية اشتدت سطوة قانون القوة وعبادة الإمبراطور والخضوع لحكمة حكمائه ومستشاريه ولم تعرف عبارة "الديمقراطية" إلا في العصر اليوناني الذي نصب العقل ملكاً والعبارة معناها حكم الشعب للشعب، ولم تغزو الديمقراطية بلاد الدنيا إلا بعد الثورة الفرنسية (سنة 1798) ومذاك حلم الناس بالديمقراطية.

* * * * *

وتجسد "الله الكلمة"نور من نور الله الآب، والتحف بإنسانية الإنسان وهو "الأبن الكلمة، النطق الإلهي" المنبثق من الله والكائن في الذات الإلهي منذ الأبد، فهو الله وهو الإنسان السوي الكامل وهذا معنى "ملء اللاهوت – ملء الناسوت" وجاء يشرع إلهي جديد، شرعه يهدف إلى صياغة إنسان جديد، في علاقة بنوية جديدة مع الخالق، وبناء حياة إنسانية أفضل بأخلاق سامية مترفعة، وإيمان بالمصير إلى الله، غايته خلق الإنسان وهدف هذه الحياة .

الدساتير البشرية فيها قيم رائعة، قيمة الشخص البشري، حرية الإنسان في إرادته واختياره، المساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، أضف إلى ذلك وضع الأسس للتعامل مع الشعوب فيما بينها ومع الحكومات، هدف الدساتير العالمية العدالة والحرية والأمن وتنظيم المعاملات اليومية .

جاء المسيح بدستور إلهي عناصره : الاستعداد للدخول إلى ملكوت الله، الوداعة، المتألمون والحزانى من أجل فعل الخير، الجياع والعطاش إلى البر، إلى حياة الأمانة والفضيلة والنقاء، الرحمة صورة لرحمة الله، فاعلو السلام هم أبناء الله، مضطهدون لأنهم يصنعون الخير، الذين يصبرون على الصعاب والتحديات ويحتملون السفهاء والأشرار، المؤمن هو ملح الأرض، وهو نور العالم يضيء بأعماله وأخلاقه، مصالحة الإنسان الآخر تسبق تقديم الذبائح ... الخ (الإصحاح الخامس)

* * * * *

ترى هل يصلح هذا الدستور الإلهي ليكون نقطة انطلاق للحياة وللعلاقات بين البشر ؟ أما أنه كلام صعب، أذن فما البديل لكلام المسيح، أغضب، أكره، خاصم، حارب، العن، لقد اختبرت البشرية الأمرين، ولازالت تزدحم بمن يطيع شرع المسيح، كما تزدحم بمن يطيع قانون العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم، أناس تذوقت طعم الحياة النقية، والرحمة، والصفح، وعرفت معنى العطاء والفداء والمساواة والحرية الحقيقية حرية الإيمان، والضمير، كثيرون منذ بداية عصر المسيح وحتى اليوم يؤمنون بكل كلمة ويعيشونها وما أروع شهادتهم على خبرتهم وتجربتهم، وكثيرون أيضاُ بل لعلهم الأغلبية الذين يعبدون أنانيتهم، ويحتقرون حقوق الآخرين، ولا يؤمنون إلا بقانون المكسب المادي وهم بعيدون عن عالم الروح .

* * * * *

في زمن الصوم ينبغي أن يدخل الإنسان إلى أعماق نفسه، ألا يخجل من الحقيقة، من خطاياه وزلاته، من كبريائه وخيانته، من حقده وحسده، الصوم زمن التوبة وتطهير القلب والعودة إلى حضن الله في ثقة بنوية وشجاعة "ملقين كل همكم عليه" (1 بطرس 5 : 7)

فيديوهات مختارة