تأملات حول عظات المسيح (2)- الدكتور الأنبا يوحنا قلته

 

في الحضارات القديمة كان الأستاذ أو الفيلسوف يجمع حوله بعضاً من المريدين والتابعين له، يختار مكاناً في معبد أو كما كان يسمى رواقاً أو في بيته، كانت المعابد في العصر الفرعوني هي المدارس، وفي الحضارة اليونانية كان للفلاسفة أروقة خاصة داخل المعابد أو أماكن تعليمية، يلتف حولهم تلاميذهم، في الحضارة العربية اتخذ العلماء والأئمة أروقة حتى أيامنا، نعرف رواق محمد عبده، وطه حسين في الجوامع أو الزوايا إلى أن انتشرت المدارس والجامعات.

* * * * *

يستثني التاريخ الرب المعلم فقد اختار أن تكون الطبيعة على امتدادها وتنوع جغرافيتها مكاناً لوعظه وحواره مع الشعب، وعظ على الجبل، وعلى شاطئ البحيرة ومرات قليلة معدودة تكلم في الهيكل، لم يكن بين تلاميذ الفلاسفة والأئمة في مختلف العصور بعض النساء المستمعات أو البنات، بينما كانت عظات المسيح للرجال والنساء والأطفال، سهلة الفهم لا فلسفية أو لاهوتية أو فقهية، بل محور عظاته تدور حول علاقة الله بالإنسان وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان وعلاقته بالحياة وبعد الحياة.

* * * * *

نجتهد في الإشارة إلى أهم ملامح عظات المسيح له المجد، أولها استخدامه للأمثلة من الحياة اليومية، وحواراته مع كل الطبقات وبالأخص مع الضعفاء والخطأة والمهملين من المجتمع، يريد أن يقول للبشر وهو المسيح الله الكلمة الذي أخلى ذاته واتخذ الإنسانية طبيعة ثانية له، أن الطبيعة هي أعظم كتب الوحي المقدس كل قوانينها وأحداثها آيات تخبر بعمل الله، لا نجاسة في الطبيعة أو في المادة، بل النجاسة في ضمير وإرادة الإنسان، يقول لنا أن الله يهتم بكل إنسان لا يرذل أحداً يحبنا حتى لو لم نحبه ولكل إنسان مكان ورسالة وخطة عند الخالق..

ثاني أمر في الملامح بساطة وعظه فهو لا يتعالى ولا يرفض إنساناً ولو أدرك كل إنسان عظمة محبة الله له ما ارتكب إثماً أو شراً، وبدون لمس محبة الله للإنسان لا نستطيع لمس عظمة سر التجسد وسر الفداء وسر القربان المقدس.

ثالث ملمح، الوضوح والصدق في عظاته، أنه يعيش كلامه ليس عنده ازدواجية أو زيف أو رياء، حياته هي كلماته، وكلماته هي حياته، يقول بكل شجاعة من منكم يثبت علىّ خطية ( يوحنا 8 : 46 ) وكلمة بيلاطس لاتزال تردد في الفضاء لم أجد علة على هذا الرجل ( لوقا 23 : 22 ) وهذا من أجمل وأنبل صفات الواعظ أن يكون القدوة والصادق والمنفذ الأول لما يعظ به.

* * * * *

لكي نلم بفكرة عميقة واسعة عن شخص المسيح "الله المتجسد" التمس من كل قارئ وقارئة أن يقرأ خلال زمن الصوم إنجيل يوحنا بداية من الإصحاح 14 إلى 16... قدم لنا الإنجيل أروع وأبهى صورة لشخصية يسوع الحقيقية.

فيديوهات مختارة