قراءات روحية لمعنى الإيمان فى زمن الوباء - ناجح سمعان

 

هطلت الامطار غزيرة، وهبت العواصف عاتية، فارتسمت فى صفحة الطبيعة ملامح مناخ ثأئر، وفى الهواء العليل يزأر فيروس عجيب يجول مفترساً ضحاياه فى كل موضع على ظهر البسيطة.  قراءة أولى لواقع قاسى تعيشه الخليقة هذه الأيام، يقود إلى القلق فى الزمن الحاضر والخوف من المستقبل، لاسيما امام العجز الدولى فى محاصرة وباء كورونا اللعين. امام هذا الواقع الصعب، يبرز التساؤل الروحى الهام، كيف يكون الإيمان فى زمن الكوارث و الأوبئة ؟ هل هو مخدر لقلوب المؤمنين يفضى بهم إلى التسليم بالواقع والقبول بالقدر المحتوم ؟. أم هو وهج نورانى فى القلب يدعو صاحبه إلى الفعل الايجابي والمشاركة الحية فى تضميد الجراح، رجاءاً فى الشفاء وقناعة بتدبير رب الحياة الذى يسره ان نعمل معاً للخير العام.

فى قراءة روحية عن دور الكنيسة فى الكوراث والازمات المعاصرة يقول الاب وليم سيدهم اليسوعى الامين العام للجنة المصرية للعدالة والسلام: على الكنيسة أن تسهر على نفسها وعلى العالم لكى اذا ما جاءت الكوارث البيئية والاخلاقية فى العالم، تكون الكنيسة صوت الضمير الذى يرفض الكذب ويدعو إلى الحق. واضاف الاب وليم قائلا: خلال ازمنة الكوارث التى تطال حياة البشر وتنال من الطبيعة على المؤمن أن يتحلى بالحكمة حيث التذرع بالمحبة والايمان والرجاء فى مواقفنا الحياتية وهذا ما يقودنا إلى عمل الخير والثقة فى خلاص الرب. واختتم امين لجنة العدالة والسلام المصرية بقوله : الكنيسة لا سلطة لها الا من مؤسسها سيدنا يسوع المسيح وهو الذى قال تعلموا منى فإنى وديع ومتواضع القلب. إذن بالتواضع نشارك الله فى عمله لخلاص العالم من الكوارث والمحن واثقين فى عمل الله فينا وفى العالم ومعترفين بسلطانه على المخلوقات. 

حول اجابته عن التساؤل لماذا يسمح الله بالكوارث، يقول الاب لوكاس حلمى الفرنسيكانى رئيس دير جروحات القديس فرنسيس باسيوط : إن الكوارث قد تتسبب في تشكيك الكثيرين في صلاح الله حيث يضطرب الكثيرون عند ربط هذه الكوارث بأنها "أعمال الله"، في حين لا يكترث الكثيرون أيضاً ولا يظهرون أي امتنان تجاه طيبة الطبيعة ومناخها الصافي لسنين بل ولقرون متتالية. لقد خلق الله الكون وما به من شرائع طبيعية يسيرها وفقاً لقوانينها. وما يحدث من كوارث هو نتيجة اصطدام بعضها البعض كجزء من طبيعة قوانينها. ويضيف الاب لوكاس قائلا : مما لا شك فيه فإن تلك الكوارث التي تحدث، تجعل كثير من الناس تعيد تقييم حياتها وتقييم أولوياتها في الحياة. فتبرز الكثير من النواحي الإنسانية والأحساس الأخوي في شكل خدمات وتضحيات ومواساة وتقديم المساعدة والصلاة. ويختتم الراهب الفرنسيسكانى القراءة بقوله : علينا ان نتأمل فى المصلوب، إن الله لا يكتفي بتعزيتنا في الآلم وإنما يجعل ذاته جزءاً منه فيصير لنا رجاءاً حقيقياً. لابد من توجيه الفكر نحو الأبدية، فلابد من أن يقتنع الإنسان المسيحي بأن هذه الحياة الحاضرة ما هي الا عبور واستعداد للحياة الآتية أي الحياة الحقيقية مع الله.

وفى دراسة بعنوان ” الرسالة النبوية وعلامات الازمنة ‟ للمتنيح الاب جوزيف مارى رئيس جمعية كهنة البرادو جاء فيها : ان النبؤة هى قبل كل شئ الحياة المسيحية على ضوء الانجيل كما ان روح الايمان هو القدرة على قراءة الاحداث وربطها ببعضها البعض لادارك معناها الحقيقى وتفسيرها فى ضوء كلمة الله. وعن مفاتيح استقراء علامات الازمنة تقول الدراسة : يبقى التاريخ معقدا ومبهما وملتبسا يصعب على الانسان ان يقيم تقييما ايجابيا اى حدث من الاحداث التاريخية لان الزؤان يندمج وسط القمح الجيد. والشر يتسلل الى كل نشاط انسانى ومع ذلك فان التاريخ هو مكان الوحى الالهى وهو مكان عمل الروح القدس لولادة البشرية لحياة جديدة. ويضيف كاهن البرادو قائلاً : إن يسوع المسيح هو كمال علامات الازمنة وهو حجر اساس ملكوت الله فى التاريخ،ان حياته وتعاليمه هى مفتاح تفسير التاريخ البشرى، ولكن كل هذا لا يعفينا من واجب ممارسة دورنا بوعى وقدرة على تحليل الامور بروح مسئولية. إن العناية الالهية تعمل عادة من خلال اعمال الانسان ومن خلال المواقف التى ياخذها الناس حيث يتركز كل شئ فى انفتاح قلب الانسان على الله بدون تواكل، فاستقراء علامات الازمنة يحثنا دائما على النشاط الهادف لتحويل الواقع إلى الافضل .

فى ختام هذة القراءة عن موقع الإيمان فى محيط الأوبئة العالمية، أود أن اضع امام القارئ بعض من كلمات قداسة البابا فرنسيس فى رسالته العامة كن مسبحا، والتى حملت هذا النداء الابوى نحو ابناء الارض كافة : إن التحدى العاجل لحماية بيتنا المشترك – الأرض – يشمل الحرص على توحيد العائلة البشرية بأسرها فى البحث عن تنمية مستدامة وشاملة فالخالق لا يهملنا وهو لا يتراجع ابدا للخلف فى مشروع محبته ولا يندم على انه خلقنا ومازال بامكان البشرية ان تتعاون من اجل تعمير بيتنا المشترك، فباستطاعتنا جميعاً التعاون كأدوات لله من اجل العناية بالخليقة. وفى صلاته من اجل الأرض كتب الاب الاقدس ” يا الله القدير يا من انت حاضر فى الكون كله وفى اصغر خلائقك انت يا من تغمر بعطفك كل ما هو موجود اسكب فينا قوة محبتك كى نعتنى بالحياة والجمال أفض علينا السلام كى نعيش اخوة واخوات دون ان نتسبب بضرر لأي كان. يا إله الفقراء ساعدنا على اعانة المتروكين والمنسيين فى هذة الارض فقيمتهم عظيمة فى عينيك. اشف حياتنا كى نحمى العالم لا ننهبه كى نزرع الجمال لا التلوث والدمار. علمنا ان نكتشف قيمة كل شئ وان نتأمل باعجاب وان نعترف بأننا متحدون اتحادا عميقا بكل الخلائق فى مسيرتنا نحو نورك اللامتناهى ‟.   

فيديوهات مختارة