الميلاد.. إنسان جديد (1) د. الأنبا يوحنا قلته

 

من أعظم معجزات الخالق "لحظة ميلاد جديد" أنه قانون كوني يسري على جميع المخلوقات بلا أستثناء، النبات يتوالد، الطيور، والحشرات، والحيوانات، وعريس الوجود "الإنسان" ذلك الكائن المجهول، ولأنه قانون أزلي يطبق كل يوم، بل كل لحظة، المادة لا تلد إلا المادة، والحشرة تعطي حشرة، والحيوان يلد حيواناً، والعالم العظيم داروين لم يكن ملحداً أو منكراً لوجود الخالق القدوس بل على العكس أثبت بنظريته ضرورة ووجوب مرجعية أخيرة لا ترى تمسك بزمام المخلوقات التي لم تأت من العدم والحياة التي أطلقها الله والتي وضع لها نظاماً منذ بداية الخلق وكل ما أثبته داروين بعد جهود هائلة طيلة عشرين عاماً تنقل فيها بين بلدان العالم أكد أن الكون في تطور دائم والكائنات في تناسل ثابت وأن العالم مر بمراحل متعددة ولكن يبقى مجهولاً من يمسك بزمام ذلك كله وهو الله تبارك وتعالى.

* * * * *

وحده الإنسان يلد إنساناً له عقل وروح وعاطفة وإرادة، يدرك مصيره الحتمي كما لا ينسى ماضيه، ولن يستطيع العلماء وبخاصة علماء الهندسة الوراثية أن "يبدعوا" إنساناً، أو يخلقوا عقلاً أو روحاً، فحدود العلم ما يقع تحت الحواس، أما أمور الروح فشأن إلهي صرف وها ما يعطي للإنسان سموه عن باقي المخلوقات أنه كائن "روحاني" يحمله جسد ترابي، ولا أسرف إا قلت أن الإنسان كائن فيه نفخة إلهية، وكل مولود بشري يحمل سمة إلهية ومصيره إلى خالقه وليس كباقي الكائنات التي تموت جسداً وروحاً.

* * * * *

وذات يوم ولد طفل أسمه "يسوع" من دون زرع بشري، وكما نفخ الله نسمة منه في كيان آدم ونسله، ملأ الروح القدس كيان مريم، فولد يسوع يجدد هوية الإنسان ويعيد صياغتها وينير له الطريق الصحيح ويعيده إلى حضن خالقه، وكذلك جسد يسوع "الهوية الإلهية" أو التحف اللاهوت بالناسوت وأعلن بكل جرأة وصراحة "من رآني فقد رآى الآب" (يوحنا 14 : 9)

تجسد المسيح "الله الكلمة" أو "اللوجوس" الإلهي المنبثق أو المولود في الذات الإلهي، وإذا كان الله كما عبر الفرعون هو الوجود قبل الوجود، هو المطلق الأبدي فكلمته الذاتية الناطقة، أو هي اللاهوت الناطق في الذات الإلهي، نور من نور، جوهر واحد، بلا انقسام أو تعدد أو شرك، فالله واحد "أنا هو الرب إلهك لا يكن لك إله غيري" (خروج 20: 1- 2) لأن الله ملء الوجود، ملء الحياة، ويمكن أن نوجز ذلك كله في هذه العبارة : الله هو الحياة الله هو النور الله هو الحب، وهو واحد في ذاته الإلهية، وصدقت الفلسفة حين قالت أن الله شخصية حقيقية، وحقيقة شخصية، ولذلك أعظم عقائدنا المسيحية، ونقطة انطلاق كل عقيدة إيمانية، هو عقيدة الثالوث المقدس، وجاء "تجسد المسيح" ومولده، وحياته وتعاليمه وشرعه وصلبه وموته وقيامته تأكيداً لهذا الإيمان الذي يفةق قدرات العقل البشري ومنطق الفلسفة ولولا المسيح لما أكتشفنا سر الله الآب، وسر الله الكلمة أو الأبن، وسر الله الروح القدس.

للمقال بقية.

فيديوهات مختارة