شهر كيهك – زيارة لبيت العذراء مريم 1 - الأنبا يوحنا قلته

الناصرة، القرية الكبيرة التي تقع شمال القدس، (على بعد 20 كم) وتطل على طريق التجارة والقوافل وتربط البحر المتوسط ببحر الجليل، هذه القرية اشتهرت بأنها ظلت معقلاً للحامية الرومانية المستعمرة، ولذلك احتقرها سائر اليهود ونفهم عبارة نتائيل في (يوحنا 14 : 42) "هل سيخرج من الناصرة شيء صالح"، في القاهرة بين حي مصر القديمة وحي مدينة نصر حي شعبي يطلق عليه التبه، هذه المنطقة تكاد تكون صورة تجسد قرية الناصرة، فكلاهما على تلال مرتفعة، وكلاهما تطل على طريق تجارة وكلاهما لا نرى مشهداً فيها للثراء أو الترف، حارات ضيقة، تكدس سكاني، من رأى هذه المنطقة فكأنه رأى قرية الناصرة.

* * * * *

في حارة ضيقة، اشترت عائلة يوسف المجار بيتاً من طابق واحد فيه ثلاث حجرات، ومكان فسيح يعتبر حجرة استقبال، يعيش أهل القرية على تجارة الزيتون، عصره، وبيعه، وأيضاً زراعة الكرم والتفاح وليس لهم وسيلة مواصلات إلا الحمير، قرية هادئة، مسالمة، دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، فقد اختار يوسف النجار وهو شاب في مقتبل العمر إحدى قريباته من نسل داود مثله لتكون له عروساً وزوجاً، فتاة أسمها مريم أختلف المؤرخون في عمرها عندما خطبها يوسف.

أهل الشرق بوجه عام يؤيدون الرأي القائل بأنها لم تتجاوز الثالثة عشرة، أما أهل الغرب فهم يعرفون أن مريم قضت سنة مكرسة في الهيكل ثم عادت إلى أهلها بعد بلوغها، أما رأيي الشخصي فأعتقد أن مريم العذراء تمت خطبتها ليوسف النجار وهي في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمرها، ذلك يظهر من رد الفعل عندما سمعت صوت الملاك والحوار بينهما يدل على أنها فتاة ناضجة وليست صغيرة أو ساذجة.

* * * * *

يتم كتب الكتاب في الشرع اليهودي قبل يوم الزفاف بزمن ويعتبر الزواج قد تم حتى وإن لم يلتقيا، وكان العريس قد صحب عروسه لتعيش مع أسرته في بيته وتلك تقاليد ثابتة حتى وقت قريب.

خرج يوسف كعادته في الصباح الباكر يبحث عن أعمال تعود أن يقوم بها لسكان القرية، إصلاح دولاب، طاولة، أو "طبلية" أو إعداد كراسي خشبية تباع لأهل القرية، لم يكن له "ورشة أو دكان خاص" بل اتخذ حجرة من الحجرات الثلاث لتكون له "مشغلاً" انطلق إلى عمله، كانت مريم معتادة أن تستيقظ مع الفجر لتتلو بعض المزامير، وتصلي وكان لها حب خاص لسفر أشعيا لكنها لا تعرف لماذا ؟ تقرأه بصعوبة وتفهمه بصعوبة أشد، لم تحصل على شهادة دراسية وإنما تعلمت القراءة والكتابة من "كتاب" القرية وعلى أيدي شيوخها، وكان لها حجرتها الخاصة ليس للبيت طابق ثانٍ وكانت تعتبر حجرتها هيكلاُ على نمط هيكل سليمان، حصيرة، ثم مقاعد للجلوس، ثم هيكل صغير، وقبل أن تتناول فطورها كانت تجلس في ركن من الحجرة وتفتح النافذة وعيناها ترحل إلى القدس، تأمل مع شعبها أن يتحنن الله عليهم ويخلصهم من الرومان المستعمرين، لم تكن الشمس قد بسطت اشعتها، نسمة الفجر لطيفة محتملة، وفي صمتها سرى إلى أذنيها لحن غريب، كلمات لم تعرف مصدرها وإن كان الصوت يميل إلى صوت الذكور، أنصتت... اضطربت... يعلو الصوت.. يشتد، تتكوم مريم على كرسيها تحاول أن تخفي رأسها من الرعب... وإذا بالصوت يأتي عند النافذة، وحوله موجات من نور، تساءلت مريم ما عسى أن يكون هذا السلام ؟ من تراه، وإذ بالصوي يذكر أسمها : السلام عليك يا مريم، بدأت تطمئن أنه يعرفها، حبست أنفاسها وهي تسمع أنشودة الجمال والبهاء تأتي إلى سمعها من كائن سماوي، ودار حديث بينهما.

نتواصل في العدد القادم من ليمساجي

فيديوهات مختارة