لبنان يولد من جديد – د. الأنبا يوحنا قلته

 

لبنان يمر بمخاض عسير ، ليلد لبناناً جديداً ، وقبل سنوات ليست بعيدة كان العالم يطلق على لبنان سويسرا الشرق ، وتوالت الأحداث الجسيمة بعد حرب سنة 1973 ، ومعها تزايدت أطماع الدول لتجد لها موضع قدم في الدولة الصغيرة الآمنة ، موطن الجمال والسحر تدفق الفلسطينيون على لبنان في محاولة للتغيير السكاني "الديموغرافي" ونشطت الأحزاب الدينية وبخاصة الأحزاب الشيعية وبدت إيران في سعي صامت دؤوب حتى انتصب حزب الله كقوة لا يستهان بها وتدفقت الأسلحة الإيرانية لهذا الحزب الذي يتبع مذهب الإمام المنتظر ويدين بطاعة مطلقة للمرشد في إيران ، وبزغ نجم "حسن نصر الله" كأمين عام للحزب حتى تمكن أن يسيطر على مفاصل لبنان ، وكل مراكز القوة ، وازداد قوة ومناعة بانضمام حزب مسيحي إليه وهو حزب ميشال عون ولم يكن يدري ميشيل عون ما تخفيه الأيام ، ولكنه بقوة ضغط حزب الله اختير رئيساً للبنان ، وأحكم الحزب قبضته فأصبح حسن نصر الله الحاكم الفعلي للبنان ، يساعده حزب أمل الشيعي وبذلك أصبح لبنان أسيراً لحزب الله يأتمر بأمره رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان ، وغاص لبنان في هوة سحيقة من تصارع الأحزاب والطوائف لا يملك منهم أحد سلاحاً إلا حزب الله وتموله إيران لتخلق في لبنان قوة شيعية تبيح لها الوصول إلى البحر المتوسط ، واستكان اللبنانيون للوضع المرعب وهم قد جربوا كيف اجتاح حزب الله بسلاحه بيروت واستولى عليها في بضع ساعات ، وهبط ليل طويل على لبنان استشرى فيه الفساد واستعبد البشر خوفاً من سلاح حزب الله وتوزعت السلطات والثروة والنفوذ على من يرضى عليه حزب الله .

* * * * *

وشق صوت الشباب اللبناني في الظلام الدامس الجاثم على صدورهم وتفجرت ثورة عارمة هي ثورة الجائعين والمقهورين الذين طحنتهم صراعات المذاهب ، وبدا شهر أكتوبر 2019 هو فجر الحرية والعدالة في لبنان ، ومن أكثر ما حير المحللين والباحثين في السياسة توحد شباب لبنان المسيحي والمسلم والدرزي والسني وسرعان ما انفكت عقدة اللسان الخائف المتردد وإذ بالشعب الصامت يسرع لينضم إلى ثورة الشباب التي أسقطت أموراً هامة :

أسقطت الهيبة وقدسية الأشخاص عن أهل السلطة الحاكمة وما أشبه ذلك بالثورة الفرنسية سنة 1789 وتزلزل عرش نصر الله ونبيه البري وابن شقيق الرئيس جبران باسيل ، وأسقطت ثياب الدجل والزيف عن رؤساء الأحزاب ، ورحب العالم كافة بثورة لبنان .

أسقطت من أيدي السلطة ورقة زرع التصارع الديني والمذهبي بين الأشقاء بل واشتعلت الثورة في المدن ذات الأغلبية الشيعية بل وفي قلب جنوب لبنان معقل حزب الله ، ذلك كله ورئيس البلاد صامت لا ينطق لأنه ظن مع حزب الله ، أنها حركة صبيان وشباب ولن تستطيع الصمود طويلاً ، وذلك بسبب أنهم لم يعرفوا معنى أن يجوع شعب ، وأن يضطر شبابه للهجرة ، وأن تختلس ثورة الأمة لم يدركوا المثل السائر : الله يضع سره في أضعف خلقه ، وأنتفض لبنان ولازال ينتفض ولن يعود التاريخ إلى الوراء ، ولن ينتصر الظلم والقهر والقمع على إرادة الشعب .

* * * * *

ثورة يقودها شباب أسقط كل ألوان التعصب ، شباب مسالم بلا سلاح ، لن تسقط هذه الثورة ، سيعود لبنان "سويسرا العرب" وهذه المرة سيتذوق شعبه للمرة الأولى طعم الوحدة الوطنية فالدين لله والوطن للجميع.

فيديوهات مختارة